أبو الليث السمرقندي

507

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ يعني : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما أي : من حيث أحببتما موسعا عليكما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ يعني : لا تأكلا من هذه الشجرة فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ فتصيرا من الضارين بأنفسكما . قوله تعالى : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ أي : زيّن لهما الشيطان لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما يعني : أراد إبليس لعنه اللّه بالوسوسة ليظهر ما سترا من عوراتهما ، والسوأة كناية عن العورة . وذلك أن إبليس لما رأى محسوده في الجنة ورأى نفسه طريدا لم يصبر ، واحتال لإخراجهما فأتاهما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ يعني : أنكما لو أكلتما تصيران كالملكين تموتان أبدا أو تكونا كالملائكة وتعلمان الخير والشر . أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ يعني : إن لم تكونا ملكين فتكونا من الخالدين لا تموتان . وقرأ بعضهم ملكين بالكسر كما قال : في آية أخرى وَمُلْكٍ لا يَبْلى [ طه : 120 ] وهي قراءة يحيى بن كثير وهي قراءة شاذة . قوله : وَقاسَمَهُما أي حلف لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ بأنها شجرة الخلد من أكل منها لم يمت . وكان آدم لم يعلم أن أحدا يحلف باللّه كاذبا فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ أي : غرّهما بباطل ويقال : زيّن لهما . وأصله في اللغة من التقريب يعني : قربهما إلى الشجرة فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ يقول : فلما أكلا من الشجرة ووصل إلى بطونهما تهافت لباسهما عنهما بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي ظهرت عوراتهما ، وإنما سميت العورة سوأة لأن كشف العورة قبيح . قال الفقيه : حدّثنا أبو جعفر . قال : حدّثنا أبو القاسم أحمد بن حم قد ذكر بإسناده عن أبيّ بن كعب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ آدم كان رجلا طويلا كأنّه نخلة سحوق كثير شعر الرّأس ، فلمّا وقع في الخطيئة بدت له سوأته ، وكان لا يراها قبل ذلك ، فانطلق هاربا في الجنّة فتعلّقت به شجرة من شجر الجنّة ، فناداه ربّه : يا آدم أتفرّ منّي ؟ قال : يا ربّ إنّي أستحي » . وفيه دليل أن ستر العورة كان واجبا من وقت آدم لأنه لما كشف عنهما سترا عوراتهما بالأوراق فذلك قوله : وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي أقبلا وعمدا يلصقان عليهما من ورق الجنة